الآداب


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد معدن الحقيقة العز المعزوز بجلال عزتك الباطنة الظاهرة

وبعد، فإن النقطة الأساسية في طريقتنا الشرقاوية القادرية المباركة، بل في الدين كله، هي الآداب فقد اتفق أهل الله قاطبة على أن “من لا أدب له لا سير له ومن لا سير له لا وصول له”، فقال أبو حفص النيسابوري رحمة الله تغشاه: “التصوف كله آداب لكل وقت آداب و لكل حال آداب و لكل مقام آداب فمن لزم الأدب بلغ مبلغ الرجال ومن حرم الأدب فهو بعيد من حيث يظن القرب مردود من حيث يظن القبول”.

وقد قال رسولنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح:
(“إِنَّمَا بُعِثُّت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاق”)، وروي عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :”إِن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أدبني فأحسن أدبي”.

فالأدب هو سر الوصول والفتح في طريق القوم وقد عَرَّفَهُ شيخنا مولاي رزقي كمال الشرقاوي حفظه الله تعالى قائلا:(“الأدب في طريقتنا هو أن يلتزم المريدُ تعظيم المخلوقات جميعها، والمريدين، والشيخ السَّالِكُ عِنْدَهُ، تعظيما يُقَرِّرُ محبة الشيخ في قلبه فإذا قَرَّت وإستقرت حينها يعرف أنه في الطريق الصحيح وأنه يُحْسِنُ الأدب”

يقول أبو عَلِي الدقاق : “ترك الأدب موجب يوجب الطرد فمن أساء الأدب عَلَى البساط رد إِلَى الباب ومن أساء الأدب عَلَى الباب رد إِلَى سياسة الدواب” وقيل : للحسن البصري قَدْ أَكْثَر النَّاس فِي علم الآداب فَمَا أنفعها عاجلا وأوصلها جلا فَقَالَ : التفقه فِي الدين والزهد فِي الدنيا والمعرفة مِمَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عليك. وَقَالَ يَحْيَي بْن معاذ : “من تأدب بأدب اللَّه تَعَالَى صار من أهل محبة اللَّه تَعَالَى” وَقَالَ سهل : “الْقَوْم استعانوا بالله تَعَالَى عَلَى أمر اللَّه تَعَالَى وصبروا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى آداب اللَّه تَعَالَى” وَرَوَى عَنِ ابْن مبارك أَنَّهُ قَالَ : “نحن إِلَى قليل من الأدب أحوج منا إِلَى كثير من العلم”.

وقد قال الشيخ مولاي عبد الواحد الدباغ قدّس الله سرّه: “إذا رأيت الفقير يعظم شريعة الطريق ويأخذ بآداب أهل التحقيق فاعلم أنه عبدُ هداه مولاه بسبق قدم الصدق، وإذا رأيت الفقير متخليّاً عن شريعة الآداب دفعه الله عنا وأوقعه في صحبة البقر والحمير جزاءً وفاقاً، لأن حضرتنا عالية، بقدر علوّ صاحب الآداب فيها ينزل.

فإن الأدب يعتبر أصلا رئيسيا لا فرعيا من أصول طريقتنا الشرقاوية القادرية أعلى الله شأنها، وعليه يصل المريدُ لمبتغاه ويفتح الله على قلبه ويصفوا له السير مع شيخه إلى حضرة قرب ربه عن طريق مشاهدة رسوله الكريم صلى الله عليه واله وسلم، إذ لا يَصِحُ سَيْرُ السائرين إلا على ضوء الأدب، فالأدب هو ذلك المصباح المنير الذي يرى المريد من خلاله طريق سيره.

وبالجملة فاعلم أيها المريد أن هذا الطريق بني أساسه على الآداب مع المشايخ والفقراء والنبي صلى الله عليه وسلم والحق جل جلاله وجميع المظاهر بداية ونهاية، في البداية شريعة وفي النهاية حقيقة، في البداية مجاهدة وفي الوسط مكابدة، وفي النهاية مشاهدة.

وإن رأيت فقيراً(مُرِيداً) تعطّل فتحه ووصله فاعلم أنّه قد أخلَّ بالآداب وقد رأيتُ كم فقير تجيّح في هذا الطريق وافترسته ذئاب الشهوات وسباع الهوى.

ولا يسعني إلا ان اذكر بعضَ الصُّوَر مِن أدب الصحابة مع نبينا سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم لنستخلص منها كيف يصح للسالم الادب مع شيخه الذي يعتبر خليفة رسولنا صلى الله عليه واله وسلم:

(1)-روى البخاريُّ عن المِسْوَر بن مخرمة، قال (وهو يتحدَّث عن صُلح الحديبية):
قال عروة بن مسعودٍ الثقفي (لأهل مكة): أيْ قومِ، والله لقد وفدتُ على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إنْ رأيتُ ملِكًا قط يعظِّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم محمدًا، والله إنْ تنخَّم نخامةً إلا وقعت في كف رجلٍ منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحدُّون إليه النظر تعظيمًا له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشدٍ فاقبلوها؛ (البخاري – حديث: 2731).

(2)-روى البخاري – في الأدب المفرد – عن أنس بن مالكٍ:
إن أبواب النبي صلى الله عليه وسلم كانت تُقرَع بالأظافير؛ (حديث صحيح) (صحيح الأدب المفرد – للألباني – صـ 418 – حديث: 444).

(3)-روى البخاريُّ عن السائب بن يزيد، قال:
كنتُ قائمًا في المسجد، فحصبني رجل، فنظرتُ فإذا عمر بن الخطاب، فقال: اذهَبْ فأتِني بهذين، فجئته بهما، قال: مَن أنتما؟ – أو: من أين أنتما؟ – قالا: مِن أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما، ترفعانِ أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ (البخاري – حديث: 470).
(فحصَبني)؛ أي: رمَاني بالحجارة الصغيرة؛ (لأوجعتُكما)؛ أي: جلدتُكما حتى أوجعتكما.

(4)-روى الطبرانيُّ عن أبي أيُّوب الأنصاري، قال:
لما نزل علَيَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: بأبي وأمِّي، إني أكره أن أكون فوقك وتكون أسفل مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أن ارفق بنا أن نكون في السُّفل، لمن يغشانا من الناس))، فلقد رأيت جرةً لنا انكسرت فأهريق ماؤها، فقمتُ أنا وأم أيوب بقطيفةٍ لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء؛ فَرَقًا مِن أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه شيءٌ يؤذيه، وكنا نصنع طعامًا، فإذا رد ما بقي منه تيمَّمْنا مواضع أصابعه، فأكلنا منها، يريد بذلك البركة، فرد علينا عشاءه ليلةً، وكنا جعلنا فيه ثومًا أو بصلًا، فلم نرَ فيه أثر أصابعه، فذكرتُ له الذي كنا نصنع والذي رأينا من رده الطعام ولم يأكل، فقال: ((إني وجدتُ منه ريح هذه الشجرة، وأنا رجلٌ أناجَى، فلم أحبَّ أن يوجدَ مني ريحُه، فأما أنتم فكُلوه))؛ (معجم الطبراني الكبير – جـ 4 – صـ 119- حديث: 3855).

Scroll to Top