الحضرة

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد معدن الحقيقة العز المعزوز بجلال عزتك الباطنة الظاهرة 
 
في اللغة
حَضْرَة: حضور، قُرْب الشيء
رَقَصَ الشخص: اهتز وحرّك جسمه على أنغام الموسيقى أو الغناء
 
في إصطلاح الطريقة الشرقاوية القادرية:
هو غياب في بحار ملكوت الله عن الحس بالشرب من معين أنوار الذكر ونسمات الحق الضاربة في قلوب المريد.
 
الأدلة من القرآن الكريم:
 
قال تعالى :لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
 
قال تعالى :الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
 
قال تعالى :وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ.
 
قال تعالى :اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ.
 
قال تعالى :فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا.
 
الحضرة المباركة من الأحاديث النبوية الشريفة:
 
عن أنس قال : كانت الحبشة يَزْفِنُون بين يدي رسول الله  ويرقصون  ويقولون : محمد عبد صالح ، فقال رسول الله  : ما يقولون ؟ ” قالوا
يقولون محمد عبد صالح .” مسند أحمد بن حنبل  مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّة.بَاقِي مُسْنَد المُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ  مُسْنَدُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رقم الحديث: 12303
 
عن علي رضي الله عنه ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا ، وجعفر ، وزيد ، قال : فقال لزيد:” أنت مولاي ” ، فحَجٍلَ ، قال : وقال لجعفر : ” أنت أشبهت خلقي وخلقي ” ، قال : فحجل وراء زيد ، قال : وقال لي : ” أنت مني ، وأنا منك ” ، قال : فحجلت وراء جعفر  .مسند أحمد بن حنبل  مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ مُسْنَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ  وَمِنْ مُسْنَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ رقم الحديث: 835
 
قال ابن حجر العسقلاني عند شرح الحديث : “وحجل بفتح المهملة وكسر الجيم أي وقف على رجل واحدة، وهو الرقص بهيئة مخصوصة.”فتح الباري لابن حجر العسقلاني7/583
عن ابن عباس ، أن عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب ، وأمها سلمى بنت عميس  كانت بمكة ، فلما قدم رسول الله  كلم علي بن أبي طالب النبي صلى الله عليه وسلم فقال : على ما نترك ابنة عمنا يتيمة بين ظهراني المشركين ، فلم ينه النبي  عن إخراجها ، فخرج بها فتكلم زيد بن حارثة وكان وصي حمزة ، وكان النبي  قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين ، قال : أنا أحق بها ، ابنة أخي ، فلما سمع بذلك جعفر ، قال : الخالة والدة ، وأنا أحق بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس  وقال علي : ألا أراكم تختصمون هي ابنة عمي ، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين ، وليس لكم إليها نسب دوني ، وأنا أحق بها منكم ، فقال رسول الله  : ” أنا أحكم بينكم ، أما أنت يا زيد ، فمولى الله ، ومولى رسول الله ، وأما أنت يا علي ، فأخي وصاحبي ، وأما أنت يا جعفر ، فتشبه خلقي وخلقي ، وأنت يا جعفر أولى بها تحتك خالتها ، ولا تنكح المرأة على خالتها ، ولا على عمتها ” ، فقضى بها لجعفر ، قال الواقدي : فلما قضى بها لجعفر قام جعفر فحجل حول رسول الله  ، فقال رسول الله  : ” ما هذا يا جعفر ؟ ” ، قال : يا رسول الله ، كان النجاشي إذا أرضى أحدا قام فحجل حوله ، فقال النبي  : ” تزوجها فقال: ابنة أخي من الرضاعة ، فزوجها رسول الله  سلمة بن أبي سلمة ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” هل جزيت سلمة.”دلائل النبوة للبيهقي  الْمَدْخَلُ إِلَى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وَمَعْرِفَةِ … جِمَاعُ أَبْوَابِ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ  بَابُ : مَا جَرَى فِي خُرُوجِ ابْنَةِ حَمْزَةَ بْنِ رقم الحديث: 1710
 
عن قتادة ، أن أنس بن مالك رضي الله عنه حدثهم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد أحدا وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان فرجف بهم ، فقال : ” اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان.”صحيح البخاري  كِتَاب الْمَنَاقِب ِبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لو كنت متخذا خليلا رقم الحديث: 3423
عن عبد الله بن عمر ، قال : سمعت رسول الله وهو على المنبر ، يقول .”يأخذ الجبار سماواته وأرضيه بيده ، وقبض يده فجعل يقبضها ويبسطها ، ثم يقول : أنا الجبار ، أنا الملك ، أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ ”  قال: ويتمايل رسول الله  عن يمينه وعن شماله ، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله .”سنن ابن ماجه  كِتَاب الزُّهْدِ  بَاب ذِكْرِ الْبَعْثِ رقم الحديث: 4273
 
قال عليٌّ كرَّم الله وجهه وهو يصِفُ أصحاب النبي :” لقد رأيت أثرا من أصحاب رسول الله فما أرى أحداً يُشبههم، والله إن كانوا ليُصْبِحون شعثا غبراً صُفراً، بين أعينهم مثل ركب المعزي، قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، إذا ذُكِرَ الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم.”حلية الأولياء لأبي نعيم، 1/118
 
عن أنس رضي الله عنه ، عن النبي ، قال:” ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار.”صحيح البخاري  كِتَاب الْإِيمَانِ  بَاب حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ رقم الحديث: 15 
 
 
التأصيل العلمي والديني للحضرة:
 
الحضرة إسم يطلق على نوع من الذكر الجماعي تقوم به الطرق الصوفية وهي عبارة عن ترديد أذكار وصلوات على النبى صلى الله عليه وسلم وآل بيته وأمداح، وطلب للمدد منهم، كل على طريقته يرددها أتباع الصوفية فى حلقات دائرية، وهذا الحضرة هي عبارة عن إهتزاز أرواح هامت بحب الله سبحانه وتعالى وتلاشت عنها الكروب تطرب وتلهج بالفناء بذكر الحق جل في علاه، ونجد أن جبل أحد إهتز شوقا و فرحا وطربا بوطء قدم الحبيب صلوات ربي وسلام عليه فرجف من هَيْبَة الجمال المحمدي حتى أمّنه الحبيب صلوات ربي وسلامه عليه
روى أبو حميد الساعدي قال : أقبلْنا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من غزوةِ تبوكٍ، حتى إذا أشرفْنا على المدينةِ قال : “هذه طابةُ، وهذا أُحدٌ، جبلٌ يُحبنا ونحبُّه”.صحيح البخاري كِتَاب الْمَغَازِي  بَاب نُزُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رقم الحديث: 4097
 
فتبين أن رجفة جبل أحد كان سببها الحب لا غير، فالاضطراب والتمايل إذن تجل من تجليات الإيمان، وفي ذلك قيل
 
لا تلوموا اُحداً لاضطراب…..إذ عـــــــلاه فالوجــد داءُ
أُحد لا يلام فهـو محــــبٌ…..ولكم أطرب المحب لقاءُ
 
وقد عَرَّفَ مجموعة من الصالحين والعلماء العارفين الحضرة 
بقولهم:
 
الشيخ أحمد بن عجيبة :
يقول: الحضرة: هي عبارة عن كشف رداء الصون عن أصل نور الكون، فتلوح أنوار القدم على صفحات العدم، فيتلاشى الحادث ويبقى القديم . 
ويقول : الحضرة : هي حضور القلب مع الرب . 
 
ويقول :الحضرة : هي معشش قلوب العارفين ، هي حضرة الذات إليها يأوون أي يرجعون بعد الطيران إلى فضاء الملكوت وأسرار الجبروت ، وفيها يسكنون ولا يخرجون منها أبداً … ومحلها في أعلى عليين ، وهو عرش قلوب العارفين . 
( الحضرة ) في اصطلاح الشيخ الأكبر ابن عربي :
 
يقول الشيخ محيي الدين بن عربي: ان للحضرة أكثر من معنى. فهناك للعشق الإلهي حضرة… ولأصحاب المعرفة حضرة… وكلها حق وصدق، ولكنها جميعاً حضرات جزئية، كل ينظر هنا من زاويته، وأول حضرة في رأى الشيخ الأكبر هي حضرة الايجاد ويسميها (الألف واللام)، ولفظها “لا إله إلا الله” فهذه حضرة الخلق والخالق». «الحضور: حضور القلب لما غاب عن عيانه بصفاء اليقين. فهو كالحاضر عنده وإن كان غائباً عنه».
 
– «المراد من الحضور: حضور القلب بدلالة اليقين، حتى يصير الحكم الغيبي له مثل الحكم العيني. والمراد من الغيبة: غيبة القلب عما دون الحق، إلى حدّ أن يغيب عن نفسه، حتى أنه بغيبته عن نفسه لا يرى نفسه. وعلامة هذا : الإعراض عن حكم الرسوم، مثلما يكون النبي معصوماً عن الحرام، فالغيبة عن النفس حضور بالحق، والحضور بالحق غيبة عن النفس».
 
فالحضرة هي تجلي نسمات الحق على قلوب الخلق ولا يدخلها إلا مصطفى أريب إختصه الرحمن بعنايته القبلية الازلية، فطلق الدنى من قلبه لملاقاة خالقها في حضرته، فالحضرة مقدسة منزهة مرفعة لا يدخلها إلا المطهرون، فحرام على القلب الجنب أن يدخل مسجداً الحضرة، وجنابة القلب غفلته عن ربه. قال تعالى “يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا”: أي لا تقربوا صلاة الحضرة وأنتم سكارى بحب الدنيا وشهود السوى، حتى تتيقظوا وتتدبروا ما تقولون في حضرة الملك، ولا جنباً من جماع الغفلة وشهود السوى حتى تتطهروا بماء الغيب.
 
والحضرة في حقيقة أمرها هي إهتزاز أرواح العاشقين الولهين في الجناب الإلهي حيث يستشعر المريد فيها هو سريان المعنى فضرب لنا الحق مثلا قرآنيا في سورة الحشر لتقريب المعنى فقال عز من قائل:لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
 
فإذَا كان الجبل على صلابته وتناهي قساوته وقُوَّتِه لو أُنزِل عليه القرآن لتأثر منه بالخشوع والتصدع، فكيف يكون الحال بالنسبة لقلوب القوم فحال القرب والوصل لا طاقة لأحد بدفعه حتى الجبال الرواسي ، ويحدثنا ابن تيمية في فتاويه عن هذا المعنى فيقول: : “لَمَّا سُئِل الإمام أحمد عن هذا، قال: قُرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغُشي عليه، ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد، فما رأيت أعقل منه، ونحو هذا وقد نقل عن الشافعي أنه أصابه ذلك، وعلي بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة، وبالجملة فهذا كثيرٌ ممن لا يستراب في صدقه.”مجموعة الفتاوى لابن تيمية 07/11
 
والحضرة في الطريقة الشرقاوية القادرية المباركة، تختلف نوعا ما على بقية الطرق المعاصرة، حيث تتبع فيها الطريقة المعهودة عند سابق المشايخ الأجلاء من أرباب الطرق الصوفية السنية كأمثال القطب الكامل والغوث الاشهر العالم العامل مولانا عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه وارضاه وغيره من المشايخ الاجلاء.
Scroll to Top