المجاهدة

 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد معدن الحقيقة العز المعزوز بجلال عزتك الباطنة الظاهرة

المجاهدة في إصطلاح الطريقة الشرقاوية القادرية:هي مقاومة جلالية تذمها النفس، لعدم الإممتثال والرضوخ لشهواتها الظلمانية.

وبعد، فإن المجاهدة هي أساس السلوك الصوفي ككل، وهي الباب لنيل الأماني والمطالب جميعها، وهي أصل من أصول طريقتنا المباركة فقد قال أهل الله:(من حقَّق الأصول نال الوصول، ومن ترك الأصول حرم الوصول)، ويُعنى بالمجاهدة هو مجاهدة النفس لعدم إرتكاب الزلات والرذائل وتحليتها بالفضائل عن طريق ما سبق من أصول الطريقة، وإتباعها على حذافيرها، فالنفس هي اللطيفة الربانية المدركة المودعة في الإنسان، قال تعالى: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي”، وهذه اللطيفة إذا تعلقت بالمدارك سُمِّيت عقلا، وإذا جنحت إلى القذارة سُمِّيت نفسا، وإذا شَرُفت على الصفاء والوصال سُمِّيت روحا، وبتقلبها بين النفس والروح تسمى قلبا.

وكانت قبل تركيبها بالجسم طاهرة صافية، زكية ربانية، لذلك سُمِّيت روحا، ثُم تطبعت في تركيبها بالجسم، واتصفت بصفاته الشهوانية الذميمة، وذلك لبعدها عن عالمها الروحي، وقربها من عالمه المادي، حتى أخرجها ذلك عن طبعها، ولوَّنها بألوانه.. ومن ثَم، لا فلاح إلا بتزكيتها حتى تذهب النفسانية وتغلب الروحانية، يقول الحق سبحانه:
“قَدْ اَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا” [الشمس، 9-10].

فقد وردت المجاهدة في السنة الشريفة المطهرة، عن فضالة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم :”المجاهد من جاهد نفسه في الله” . وفي رواية : ( في طاعة الله ).

ولا تكون هذه المجاهدة إلا بتوجيهات شيخ مربي عارف بالله تعالى تدرج وسلك مسلك الرجال، إذ يكون عارفا بألاعيب النفس وهواها، ويرشد المريد إلى سبل الوقاية من حفرها وأوحالها، وقد قال الإمام الكبير حجة الإسلام الغزالي رحمه الله، عن ذلك:
يحتاج المريد إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة، ليهديه إلى سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه، قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة، فمن سلك سبل البوادي المهلكة بغير خفير، فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها، فإنها تجف على القرب وإن بقيت مدة وأورقت لم تثم.

وقيل كذلك في هذا الباب “من لا شيخ له فالشيطان شيخه”،وقال العارف بالله سيدنا عبد القادر عيسى في حقائق عن التصوف:فالطريق العملي الموصل لتزكية النفوس والتحلي بالكمالات الخلقية هو صحبة الوارث المحمدي والمرشد الصادق الذي تزداد بصحبته إيماناً وتقوى وأخلاقاً، وتشفى بملازمته وحضور مجالسه من أمراضك القلبية وعيوبك النفسية، وتتأثر شخصيتك بشخصيته التي هي صورة الشخصية المثالية شخصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقال الإمام ابن عجيبة رحمه الله تعالى عن المجاهدة: لابد للمريد في أول دخوله الطريق من مجاهدة ومكابدة وصدق وتصديق، وهي مظهر ومجلاة للنهايات، فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته، فمن رأيناه جاداً في طلب الحق باذلاً نفسه وفلسه وروحه وعزه وجاهه ابتغاء الوصول إلى التحقق بالعبودية والقيام بوظائف الربوبية، علمنا إشراق نهايته بالوصول إلى محبوبه، وإذا رأيناه مقصراً علمنا قصوره عما هنالك.

لذلك فعلينا كمريدين أن نكون صادقين في القول والفعل مع شيخنا رضي الله تعالى عنه، مطبقين لأوامره مجتنبين لنواهيه، والفهم عنه وعن إشاراته وما ينطق به من حكم وأقوال لأنها السبيل الأقوم لحصول النفع والإنتفاع الظاهري والباطني.

Scroll to Top