النية

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد معدن الحقيقة العز المعزوز بجلال عزتك الباطنة الظاهرة

وبعد فالنية معناها لغة: القصد، وشرعاً: هو القصد المقترن بالفعل، وهذا من أهم ما يكون به ضبط النية ولا بد أن يعرف طالب العلم النية في لغة الفقهاء أو الإصطلاح، ومعنى القصد المقترن بالفعل: أي: أن لا تصل إلا وتستحضر النية، ولا تحج إلا وتستحضر النية، وكذا الصوم وغيرها من العبادات، ولا تزك إلا وتستحضر النية، فإذا ما استحضرت نية الزكاة فلا يمكن أن تقبل، ولا تصح زكاتك.

أما في الإصطلاح الشرقاوي القادري هو فعل داخلي باطني بتصريف روحي لا جسماني مادي، يقصد به السالك الإقبال على شيئ من الخير قبل فعله مثل قراءة أوراده والدخول إلى الخلوة…

وقد ثبت في الصحيحين(صحيح مسلم وصحيح البخاري) عن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّه قال: ((إنَّ بالمدينة لرِجالاً ما سِرتُم مسيرًا ولا قطعتُم واديًا إلا كانوا معكَم))، قالوا: وهم بالمدينة؟! قال: ((وهُم بالمدينة؛ حبَسَهم العذرُ)).

وفي الحديث: «عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إنما الأعمال بالنيات”». وكل عمل لا يراد به وجه الله فهو مردود على صاحبه للحديث: (إن العبد ليعمل أعمالا حسنة فتصعد الملائكة في صحف مختمة فتلقى بين يدي الله فيقول: ألقوا هذه الصحيفة فإنه لم يرد بما فيها وجهي)

والنية من أساسيات السير إلى الله سبحانه وتعالى في طريقتنا الشرقاوية القادرية المباركة، وفي كافة الطرق، إلا أن أغلب الطرق لا يبالون بها لعدم معرفتهم بأن النية هي فاتحة سير المريد، وبها يصل ويتصل، لذلك قد وضع شيخنا المجدد مولاي رزقي كمال الشرقاوي قدس الله سره، النية كأصل من أصول الطريقة، لمعرفته رضي الله تعالى عنه، بمدى أهميتها في سلوك المريد بل في الدين ككل، وقد عَرَّفها سابق الصوفية بأنها ركن من أركان الإيمان وهى عقد القلب كما سبق ويلزم فيها الإخلاص لقبول العمل فيقول أبو سعيد الخراز:( إن الإخلاص الذى أمر به الله عز وجل فى قوله تعالى :{ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا، وهو أن يكون العبد يريد الله عز وجل بجميع أعماله وأفعاله وحركاته كلها ظاهرها وباطنها لا يريد بها إلا الله وحده).

فقد عرفها شيخنا رضي الله تعالى عنه أنها “عزيمة قلبية يعقدها الإنسان قبل فعل سواءٌ كان مصيري أو غير ذلك، ليطرح الله سبحانه وتعالى فيه البركة والمدد”، ولا تَصِحُّ النية عند العارفين إلا بجعلها خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، أي أن كل أعمالهم تكون إبتغاءا لوجه الحق تعالى، ليس لأجل هدف دنيوي دنيئ، وهذا فهم كبير يدركه المريد الصادق الثابت في الطريقة بعد أن يدرك المقامات العَلِيَّة، وتتجلى له الكشوفات السَّنية من المشاهدات الجَلِيَّة.

فالسائر في الطريقة الشرقاوية القادرية المباركة، وَجَبَ عليه إخلاص النية لله سبحانه وتعالى في كل تحركاته وسكناته مما يُحَقِّقُ له ويستجلب بها التوفيق الإلهي، إذ أن النية هي ثابت من ثوابت الطريقة لتحقيق السير إلى الله سبحانه وتعالى.

وعليه فإن المريد يجب أن يعقد النية قبل كل شيئ سواء في الذكر، قبله، أنه سيذكر الله سبحانه وتعالى لله لا لغير ذلك من ترف الدنيا، وأنه سيزور شيخه لله سبحانه وتعالى على سبيل أنه شيخه في السلوك ومرشده الروحي، وأنه سيدخل الخلوة لله سبحانه وتعالى وللتقرب منه لا لغير ذلك، وغيرها من أمور السلوك…فالنية هي المحور الأساسي في بلوغ المريد مراده في إبتداء أمره وإنتهاهه.

Scroll to Top